جلال الدين السيوطي
404
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
فركضن في ميدانه ، وأومأ إلى شمس الرسائل ، فأتين مسخّرات لبيانه ، ومج إليه كتاب سيبويه بأسراره ، وأهدى لشعره جرير نسيبه والفرزدق افتخاره ، وخدمه عبد الحميد وابن العميد بديوان نثرهما مع علوّ بيانهما ، وفخامة قدرهما ، وأمطت إليه الخطابة أفلاذ كبدها ، وذللت له البلاغة صعاب فنونها ، فديوان نظمه نجع البصائر ونزه الأبصار ، وديوان نثره مجاني الخواطر ورياض الأفكار ، فهما روضة وغدير للورّاد والروّاد ، وهو ومرتاده خبر منتهاه قد ألقح بلطائف القرائح الحائلة ، وأطلع في سماء الفضل كواكبه الآفلة حتى اهتدت في خوارزم بميامن فضله على عراض الأدب وظلال الإقبال ، وسبغت ببركات علمه لأهله أردية الجلال ، ونشأت في أيامه من تلامذته فحول الرجال ، وازدحمت في منتداه الأفاضل ، ومثلت بين يديه الأماثل . قال : ومن نفاثاتي في مرثيته : قد جاء ربّه جار الله حين رأى * دهرا جهولا يبيع النبع بالعزب إنّ القلاص وجرد الحبل قد عطفت * وأنضيت نحوه بالوخذ والخبب فالنهر لا يشتكي من بعده أبدا * ركض الفحول وعضّ السرح واللبب والعود في روضه عنا له غازلها * وطفا يبسّم عن ماء وعن عشب ردّ الجساس على الحادي وناوله * وضينة فارتمى بالبيع والقتب عنت له العرب العرباء قاطبة * في البدو ما ضرّه أن ليس بالعرب يزري إذا هدرت يوما شقاشقه * بمانع الشيخ عرّاب من القلب قد ذاب جامد دمعي في رزيته * هيهات قل وفائي حين لم أذب أجابني الدمع لما جئت أسأله * عن مشكلات قد اعتاصت فلم يجب رحى الفضائل مذ قد سار واقفة * وهل تدور رحى يوما بلا قطب قال : والقصيدة طويلة ، وإنّما نتفت منها ما يليق إيراده بهذا الموضع ، ولن يصفه بليغ بما وصف به نفسه في شاكرته المشتملة على مقاماته التي جلّت عن الإحصاء